الشيخ محمد رشيد رضا
484
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
غسل بل لكانت الأرض مغمورة بالماء إذا أمكن أن يوجد الماء بغير الهواء والعلاقة بينهما معروفة فكل منهما مزدوج بالآخر فالهواء يتخلل المياه والمجاور منه للأرض فيه كثير من بخار الماء وهو يقل فيه ويكثر بحسب بعده عن البحار والأنهار وبه منها ، ومما أثبته علماء الكون المتأخرون أن بخار الماء وإن كان يقل في الطبقات العليا من الجو كقلل الجبال وما فوقها فان عنصر ( الايدروجين ) وهو المولد للماء يكثر كثرة عظيمة في أعلى كرة الهواء ويقل الأكسجين في طبقات الجو العليا ويكثر بجوار الأرض لثقلة النوعي فهو اثقل من صنوه النيتروجين وذلك من لطف اللّه وحكمته ومن المعروف عندهم ان الهواء يتحول بشدة البرد والضغط إلى ماء ثم إلى جليد - كما أن الماء يتبخر بالحرارة حتى يكون هواء أو كالهواء في لطافته وعدم رؤيته وقد كان المتقدمون يحسبونهما شيئا واحدا ، وعلماء العرب فرقوا بين بخار الماء وكرة الهواء ، ولكن اسم البخار في لغتهم يشمل كل المواد اللطيفة التي تصعد في جو السماء التي يسميها العلماء في هذا العصر « الغازات » والمشهور ان في الهواء من حيث حجمه لا ثقله 21 جزءا في المائة من الأكسجين و 87 في المائة من النيتروجين وواحدا في المائة من الارغون ، وهذه النسبة تكون هي الغالبة في الهواء المجاور للأرض وهي ضرورية لحياة أكثر الاحياء حياة صالحة معتدلة ، فإذا زاد الاكسجين زيادة كبيرة أو نقص عما هو عليه لم يعد صالحا لحياة الاحياء بل يصير نارا محرقة أوسما زعافا . فكون النيتروجين يزيد على ثلاثة أرباع الأوكسجين في حجم الهواء ضروري لتعديله وجعله صالحا لذلك ، والنيتروجين ضروري للحياة أيضا وان لم يكن هو صالحا للحياة - فهو إذا وضع فيه حيوان أو نبات لم يلبث ان يموت على أنه غير سام - وضرورته للحياة من حيث تعديله للأكسجين ومنعه إياه من الطغيان ومن حيث هو في ذاته ركن من أركان الغذاء للحيوانات ولا سيما العليا منها وأعلاها الانسان فإذا خلا طعامها من المادة النيتروجينية لم يكف لحياتها به . والنيتروجين يوجد في أجسام النبات كما يوجد في لحم الحيوان وبيضه ولبنه وهو الأصل فيه ، والنبات يأخذه من الأرض ، وسائر غذاء الحيوانات من المواد النباتية ، ومعظمها من الكربون وهو يأخذها من الأرض ومن امتصاصه لغاز الحامض الكربوني من الهواء . فهذا الغاز على شدة ضرره